اتبع CAP على وسائل التواصل الاجتماعي

استمع إلى البودكاست الخاص بـ CAP

مراقبون في مشروع الصين-البحر المتوسط: كيف تنظر الصين إلى منطقة البحر المتوسط؟

وانج يي، وزير الخارجية الصيني، مع نظيره الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، ووشي، 14 يناير 2022. (الصورة: وكالة أنباء شينخوا)

دارت معظم المقالات المهمة المنشورة في وسائل الإعلام الصيني خلال شهر أغسطس حول مستقبل الاتفاق النووي الإيراني، ودور إيران في الشرق الأوسط عمومًا. وعلق الخبراء الصينيون أيضًا على انتهاء عملية برخان الفرنسية في مالي، وتصاعد التنافس بين القوى العظمى في أفريقيا. 

فلسطين وإسرائيل

حسبما ذكرنا مرات عديدة من قبل، لا يزال الباحثون الصينيون ينتقدون تهميش القضية الفلسطينية في سياسات الشرق الأوسط. ولقد أشاروا إلى أن الاتفاقات الإبراهيمية – إعلان مشترك توصلت إليه دولة إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية في 13 أغسطس 2020 – كانت في غاية الأهمية لتمهيد الطريق أمام تحسين العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، على الرغم من إغفال مشكلات الفلسطينيين العالقة وعدم طرح أي حلول لها.
 في الواقع، لطالما انتقد الخبراء الصينيون النهج الذي اتبعته إدارة ترامب في معالجة القضية الفلسطينية، ومن ذلك: خطة “السلام من أجل الرخاء: رؤية لتحسين حياة الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي”، ولطالما رأوا أن الدافع الأكبر وراء تشجيع الولايات المتحدة الاتفاقات الإبراهيمية هو زيادة عزل إيران والضغط عليها. 

نشر كل من ليو جونمين ودينغ لونغ، الباحثان في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، مقالًا مثيرًا للاهتمام في جريدتي ذا بيبر وجلوبال تايمز على التوالي، يتناولان فيهما تحليل هذه الأحداث وتأثيرها في المنطقة. وحسبما ذكر ليو، فقد آن الأوان لمراجعة الفكرة القائلة بأن الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين هو التناقض الرئيسي في المنطقة؛ فقد أخذت أهمية هذا الصراع في التراجع منذ توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل 1979، وشيئًا فشيئًا أصبحت هذه المسألة أكثر يقينًا، لا سيما مع إدارة ترامب التي سعت بوضوح إلى فك الارتباط بين العلاقات العربية الإسرائيلية والعلاقات الفلسطينية الإسرائيلية.

إيران والاتفاق النووي

يحاول الرئيس الأمريكي جو بايدن إنعاش الاتفاق النووي الإيراني، وتشجيع حل الدولتين وفق حدود 1967. ومع ذلك، وحسبما أشار الباحثون الصينيون عقب رحلته الأخيرة إلى المنطقة، يوجه بايدن تركيز سياسته الخارجية وطاقته إلى شرق آسيا؛ لذلك لن يكون قادرًا على تحجيم إيران ودورها الذي أصبح محور السياسات الإقليمية في المنطقة. وقد طرح دينغ دونغ رأيًا مشابهًا مفاده أن “تصاعد قوة إيران هو أحد المتغيرات الأكثر الأهمية التي تقود التغيرات الجيوسياسية في الشرق الأوسط”، والتي تحدد بصورة كبيرة تصرفات الأطراف الإقليمية الأخرى.

ليس من المفاجئ أن تأتي معظم المقالات المنشورة في أغسطس على عكس هذا الطرح، وتركز على مصير الاتفاق النووي الإيراني. فقد أعلن لي ويجيان، الخبير الرفيع المستوى في شؤون الشرق الأوسط في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، أن “العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني هدف رئيسي”، وأن المحاولات التي كادت أن تكون علانية لتقويض المفاوضات لهي دليل على أن الأطراف المعنية توشك على إتمامه. وأعرب فان هونغدا، المعلق على القضايا ذات الصلة بإيران، عن تفاؤل مشوب بالحذر بشأن الوصول إلى اتفاق. وحسبما أفاد، فإن إيران تظهر مرونة كبيرة، على الرغم من أن المسائل المتعلقة بدور الوكالة الدولية للطاقة الذرية ستظل على الأرجح مشكلة أمام المفاوضين الأمريكيين. لكن هذا لم يمنع المعلقين الصينيين من انتقاد الولايات المتحدة بشدة على ما سببته من أزمات إنسانية في إيران تحت ذريعة العقوبات، وعلى أزمة الطاقة الوشيكة في أوروبا بسبب استبعاد إيران من سوق الطاقة ومحاولتها الضغط على روسيا.

العراق

ناقشت وسائل الإعلام الصينية حالة عدم الاستقرار التي تعصف بالعراق، وكذلك مالي التي تقع في جنوب منطقة البحر المتوسط الكبرى. وصرح نيو سونغ، الباحث في جامعة شانغهاي للدراسات الدولية، لشبكة الأعمال التجارية الصينية أن الحياة السياسية في العراق قد بلغت لحظة مفصلية في حقبة ما بعد صدام. واضاف أن الصراع الحالي في “المنطقة الخضراء” في بغداد إنما يعكس زيادة الفجوة بين سياسة الدولة الطائفية المتعمقة ونظامها السياسي الحالي، ما يضيف مزيدًا من الضعف إلى شرعية السياسات الانتخابية العراقية. وتزامنًا مع تحذير السفارة الصينية في العراق الشركات والمؤسسات الصينية، وتوجهيهم إلى تعزيز التدابير الأمنية، يعتقد نيو أن الموقف لن يشهد تحسنًا في المستقبل القريب.

مراقبون في مشروع الصين-البحر المتوسط: كيف تنظر منطقة البحر المتوسط إلى الصين

سيطرت الزيارة المثيرة للجدل التي قامت بها نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأمريكي، إلى تايوان على مناقشات هذا الشهر في منطقة البحر المتوسط الكبرى، كما حفزت ظهور بعض الرؤى المثيرة للاهتمام بشأن نهوج المنطقة المختلفة في التعامل مع التنافس المستمر والمتصاعد بين واشنطن وبكين. وجدير بالذكر في هذا السياق أن العديد من الدول، لاسيما تلك التي في الشرق الأوسط ومنطقة القرن الأفريقي الكبرى، قد ركزوا أيضًا على علاقاتهم العسكرية والدفاعية مع الصين.

المغرب

أفادت مقالة نشرتها صحيفة لوبنيون الصادرة باللغة الفرنسية، بأن استثمارات الصين ومشاركتها الاقتصادية في إطار مبادرة الحزام والطريق في مشروعات التنمية الاستراتيجية، مثل طنجة تيك، ما زالت المحور الرئيسي للتبادلات الصينية المغربية، لكن الرباط قد تطلب من بكين المساهمة بدور دبلوماسي أكثر حزمًا في المنطقة، بل صرحت لوبنيون تصريحًا لا لبس فيه بأن التزام المملكة المغربية بسياسية “الصين الواحدة” ينبغي أن تقابله بكين بتغيير موقفها من قضية الصحراء الغربية.

إسرائيل

كما أشرنا من قبل، فقد خصصت وسائل الإعلام في دول عديدة في المنطقة مساحات كبيرة لزيارة بيلوسي إلى تايوان ودعم بلادهم لموقف الصين. أما النقاشات الأكثر إثارة للاهتمام فكانت تلك التي دارت في الأوساط الإسرائيلية. ومن ذلك، ما صرح به العميد عساف أوريون، رئيس مركز السياسات الإسرائيلية تجاه الصين الذي أنشأته مؤسسة ديان وجيلفورد جليزر بالتعاون مع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، والرئيس السابق لقسم التخطيط الاستراتيجي في جيش الدفاع الإسرائيلي، ما صرح به في مقاله على موقع والا من أن “الأحداث في تايوان قد تؤثر بشدة على الأمن القومي الإسرائيلي”. ويرجع هذا إلى أن التوترات بين القوتين العظميين قد تجلب مزيدًا من الضغوط الأمريكية على تل أبيب لخفض شراكتها مع الصين، لا سيما في المجالات العسكرية والدفاعية والتكنولوجية. أما ماتان فيلناي، السفير الإسرائيلي السابق في الصين والوزير السابق في الحكومة الإسرائيلية، فقد أكد على أن الصين ليس من مصلحتها إشعال حرب شاملة ضد الولايات المتحدة بسبب تايوان؛ لأن الحرب ستعوق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة. وبناءً على ذلك، يرى فيلناي أن إسرائيل ينبغي لها ألا تضر علاقتها مع شريك مهم مثل الصين بسبب قضية “لا تهمها”؛ إذ إن تل أبيب ليس لها روابط مهمة مع تايوان. 

سوريا

ذكر موقع الحل الإخباري العراقي أن الصين قد زادت من تعاونها مع دمشق بشأن إعادة بناء المواقع العسكرية وبشأن القضايا الدفاعية عقب سلسلة من الهجمات الإسرائيلية على أهداف مدعومة إيرانيًا داخل الأراضي السورية. وتوقع الباحث صدام الجاسر، على غرار العديد من المصادر الإسرائيلية الرفيعة المستوى، أن هذه القضية قد تؤدي إلى تصاعد التوتر بين إسرائيل والصين خلال الأشهر القليلة القادمة، لكنه يعتقد أيضًا أن إسرائيل لن تخاطر بفتح جبهة مع بكين في سوريا خشية أن تتوسع المواجهة لتشمل إيران وروسيا، وربما الولايات المتحدة.

السودان

تصدر التعاون العسكري مع بكين أيضًا النقاشات السودانية بعد انتشار أخبار تفيد احتمالية شراء السودان طائرات جيه-10 سي إي متعددة المهام من الصين. ووفقًا لمصادر عسكرية سودانية، ترى الخرطوم بكين شريكًا استراتيجيًا قادرًا على إمدادها باحتياجاتها الدفاعية، لا سيما في ظل الحظر الغربي على تصدير السلاح للبلاد. وشدد محمد بشير سليمان، نائب رئيس هيئة الأركان الأسبق، على أن بلاده ومعظم البلدان في منطقة القرن الأفريقي الكبرى في قلب ساحة “الحرب الباردة الجديدة” بين الصين والولايات المتحدة. وسلط الضوء أيضًا على أن دول المنطقة تبدو أكثر ميلًا إلى عقد اتفاقات تسليح مع الصين، يليها روسيا، بدلًا من الولايات المتحدة؛ إذ إن بكين تمدهم بمعدات أكثر تقدمًا وتوفر لهم دعمًا لوجستيًا وتدريبًا. وأضاف العميد معاش السر أحمد سعيد، نائب رئيس جمعية قدامى المحاربين السودانية، أن التعاون العسكري مع الصين مهم أيضًا لضمان التنوع في باقة الشراكات السودانية. ولا شك أن التوسع الصيني في منطقة القرن الأفريقي تزداد أهميته في ضوء الجدل الدائر حول سد النهضة الإثيوبي الكبير. ووفقًا لمصادر صومالية، فإن ظهور الجماعات الإرهابية المرتبطة بحركة الشباب على طول الحدود الفاصلة بين الصومال وإثيوبيا، وتركها دون رادع، قد يؤدي إلى تغيير القيادة في أديس أبابا، ما يزيد بدوره من استعانتها بالولايات المتحدة بدلًا من الصين.

المملكة العربية السعودية

لا يزال تنويع الشراكات موضوعًا للنقاش أيضًا في وسائل الإعلام السعودية، إذ سلطت الشائعات عن زيارة شي جين بينغ الوهمية إلى المملكة العربية السعودية الضوءَ على الزيادة الكبيرة في حجم التجارة بين البلدين. وأشار د. فواز العلمي، الخبير السعودي في التجارة الدولية،  إلى ارتفاع الصادرات السعودية غير النفطية للصين بنسبة 31٪  لتصل إلى 86 مليار ريال سعودي في الربع الثاني من عام 2022، فيما ارتفع إجمالي الصادرات بنسبة 85٪ ليصل إلى 430 مليار ريال سعودي. ويرجع هذا النمو في الصادرات السعودية إلى الزيادة الكبيرة التي حققها إنتاجها الصناعي، فضلًا عن الاضطرابات التي تشهدها الأسواق العالمية جراء الحرب في أوكرانيا، ما دفع العديد من الدول في الشرق الأوسط وآسيا، وعلى رأسها الصين، إلى زيادة وارداتها من المملكة.

العلاقات السعودية الأمريكية

من المثير للاهتمام أن صحيفة إيران المحافظة عزت هذا التحسن في العلاقات الصينية السعودية إلى تراجع العلاقات السعودية الأمريكية. وبحسب الصحيفة، هناك أسباب سياسية وراء حالة التوتر السائدة بين واشنطن والرياض، أبرزها انتقادات إدارة بايدن للمملكة بشأن اغتيال الصحفي جمال خاشقجي وموقف الرياض الغامض تجاه روسيا بشأن الصراع الدائر في أوكرانيا. إلى جانب ذلك، فقد أدى تراجع حجم التبادلات النفطية الأمريكية السعودية خلال السنوات القليلة الماضية إلى توجه المملكة نحو بكين لتأمين مصالحها الوطنية، ليس فقط فيما يتعلق بصادرات النفط، ولكن أيضًا فيما يتعلق بالأمن البحري في خليج عدن والبحر الأحمر، وكذلك تعزيز التعاون العسكري وبخاصة في مجال الصواريخ الباليستية.

إيران والاتفاق النووي

أعربت وسائل الإعلام الإيرانية عن شكوكها بشأن الصين، خاصة فيما يتعلق بدورها في مفاوضات الاتفاق النووي؛ فعلى سبيل المثال، ربطت فاطمة محروق، الأستاذة بجامعة فردوسي، بين “الدور السلبي” للصين في المفاوضات النووية ودبلوماسيتها الحذرة، وذكرت أن بكين نفسها قد تكون قلقة بشأن برنامج إيران النووي لكنها “تفضل أن تدع هذه المهمة للآخرين” كي تحافظ على استقرار علاقاتها بجميع الأطراف الفاعلة المعنية. كما رأت فاطمة محروق أن الصين قد لا ترغب في التوصل إلى اتفاق نهائي؛ لما سيترتب على ذلك من تقارب إيراني كبير مع الولايات المتحدة؛ الأمر الذي قد يتعارض مع مصالحها في ظل التوتر المتزايد بين القوتين العظميين واعتماد طهران على صادراتها النفطية إلى الصين في مساعيها لتجاوز العقوبات الأمريكية. وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى الجدل الكبير الذي دار بين صحيفة إيران المحافظة وغرفة تجارة طهران حول الأرقام الفعلية لحجم الصادرات النفطية الإيرانية إلى الصين. ونظرًا لأن الإحصائيات الخاصة بالتبادلات النفطية تبقى سرية بين الحكومتين الإيرانية والصينية، فقد تتضارب المعلومات حولها بشكل كبير؛ فالأرقام التي أوردتها غرفة تجارة طهران بشأن صادراتها النفطية إلى الصين استنادًا إلى بيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية (20-30 ألف برميل خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2022) أدنى بكثير من الأرقام التي أعلنت عنها مؤسسات ووسائل إعلامية دولية أخرى مثل “أوبك” و”رويترز” و”أويل برايس” ومؤسسة “كبلر” (حوالي 600 ألف برميل خلال نفس الفترة). وأشارت الصحيفة إلى أن هذه البيانات قد يستخدمها البلدان كأداة سياسية ودبلوماسية لدعم مواقفهما ضد الولايات المتحدة.

العراق

على أي حال، يساهم التحالف الملحوظ بين إيران والصين بدور مهم في الأزمة السياسية الحالية في العراق؛ فقد زعم العديد من الباحثين والنشطاء السياسيين أن “الشركات الأجنبية، وتحديدًا الشركات الكورية والإيطالية والألمانية العاملة في جنوب العراق، تعرضت لتهديدات من الفصائل والميليشيات الموالية لإيران لصالح الشركات الصينية في العراق”. وعلى الرغم من أن هذه المزاعم لا تزال غير مؤكدة، فقد أكد المحلل السياسي محمد الجمال أن “قوى الإطار التنسيقي [تحالف من القوى السياسية الشيعية المناهضة للتيار الصدري] قد اشترطت على محمد شياع السوداني، المرشح الجديد لرئاسة الحكومة العراقية، إعادة إحياء الاتفاقية الصينية حتى يحظى بدعمهم لتولي رئاسة الحكومة”. وقال الجمال إن الميليشيات والقوى السياسية الموالية لإيران لم تكتف بالخطوات التي اتخذها الكاظمي، رئيس الوزراء السابق، فيما يتعلق بتنفيذ صفقة “النفط مقابل إعادة الإعمار”، بل إنها تمارس ضغوطًا من أجل إحياء الاتفاقية الأصلية التي أبرمت في عام 2019 كاملةً، والتي “تتيح لبكين توسيع نطاق استثماراتها، خاصة في حقول النفط ومشروعات الإسكان والطرق والجسور”.

لمزيد من المعلومات حول مشروع تشاينا-ميد (الصين ومنطقة الشرق الأوسط) ورؤية الإصدارات الأصلية من تحليلات مراقبي المشروع يُرجى النقر هنا.