العالم في تغير مستمر، والصين تريد أن يعرف الجميع من أين يأتي الزخم. "الريح تأتي من الجنوب، والمد يأتي من الجنوب"، كما أعلن وزير الخارجية وانغ يي في مؤتمر صحفي خلال جلستي "دورتين" يوم الجمعة.
كانت رسالته الأساسية واضحة: الجنوب العالمي هو القوة المحددة في القرن الواحد والعشرين، والصين، كعضو طبيعي في هذا الكتلة، ستقود الجهود لإعادة تشكيل الحوكمة العالمية، ومواجهة الهيمنة الغربية، وخلق نظام دولي أكثر عدلاً.
قال وانغ يي: "بغض النظر عن كيفية تغير الوضع الدولي، ستظل الصين دائمًا تضع الجنوب العالمي في اعتبارها، وتأخذ جذورها في الجنوب العالمي، وتعمل مع الدول الأخرى في الجنوب العالمي لكتابة فصل جديد في تاريخ تطور البشرية".
ما هي رسالته؟ الجنوب العالمي لم يعد مجرد دور ثانوي في الشؤون العالمية، بل أصبح المسرح الرئيسي.
استعرض وانغ الأرقام: الجنوب العالمي يمثل الآن أكثر من 40% من الناتج الاقتصادي العالمي ويسهم بنحو 80% من النمو العالمي. إنها تحوّل يتحدى الديناميكيات التقليدية للقوى، وترى الصين نفسها كقائد ومهندس رئيسي لهذا التحول.
خذوا مجموعة البريكس - التي كانت في يوم من الأيام كتلة اقتصادية فضفاضة، وأصبحت الآن قوة في طور التشكّل. مع انضمام إندونيسيا رسميًا هذا العام ووجود تسع دول أخرى تصبح شريكة في البريكس، اعتبرها وانغ "العمود الفقري" للتعاون بين دول الجنوب العالمي و"محركًا" للنمو الاقتصادي.
بعيدًا عن الاقتصاد، دعا وانغ إلى الوحدة. تستضيف الصين والبرازيل وجنوب أفريقيا قممًا كبرى هذا العام (منظمة شنغهاي للتعاون، والبريكس، ومجموعة العشرين)، وتريد بكين دفعًا منسقًا من أجل الحصول على صوت أقوى في الحوكمة العالمية، وقال: "يجب أن نتحدث بصوت واحد"، مؤكدًا على دور الصين في قيادة هذا التنسيق.
الصين وآسيا: الاستقرار، النفوذ، وعامل الولايات المتحدة
جادل وانغ بأن آسيا ليست مكانًا للتنافس الجيوسياسي، وأن بكين تنوي الحفاظ على استقرارها. رسم صورة لآسيا التي ازدهرت اقتصاديًا بينما تجنبت الصراعات الكبرى، وهي قصة نجاح يقول إنه كان للصين دور في تشكيلها.
تحت نهج الرئيس شي جين بينغ "الصادق، المفيد، والشامل"، قالت الصين إنها عززت علاقاتها مع 17 دولة مجاورة من خلال مشاريع تنموية مشتركة وتجارة.
مبادرة الحزام والطريق توسعت لتشمل 25 دولة آسيوية، مما جعل الصين أكبر شريك تجاري في المنطقة.
وعندما يتعلق الأمر بنشر القوات العسكرية الأمريكية؟ قال وانغ بوضوح: "الصين تعارض بشدة نشر الصواريخ متوسطة المدى في المنطقة، والدول الإقليمية لا ترحب بذلك".
جوهر حجة وانغ هو هذا: يجب أن تكون آسيا نموذجًا للتعاون الدولي، لا ساحة معركة للتنافس بين القوى الكبرى. أما الصين؟ فهي ترى نفسها كعامل استقرار في المنطقة، سواء من الناحية الاقتصادية أو الاستراتيجية.
الحوكمة العالمية: حجة الصين من أجل نظام عالمي جديد
كان حديث وانغ الأخير عن الحوكمة العالمية، وهنا stakes أعلى بكثير. مع احتفال الأمم المتحدة بذكرى مرور 80 عامًا على تأسيسها هذا العام، تسعى بكين لتقديم قضيتها لاستمرار أهمية الأمم المتحدة، حتى في الوقت الذي يشكك فيه القوى الغربية في فعاليتها.
موقف الصين ثابت: يجب على العالم رفض الأحادية، ومقاومة سياسة القوة، والدعوة إلى المساواة السيادية. أو بعبارات أبسط، لا ينبغي لأي دولة واحدة أن تسيطر على الأمور. جادل وانغ بأن القوى الكبرى يجب أن تقود من خلال المثال في تعزيز حكم القانون، بدلاً من تحريفه وفقًا لإرادتها.
تذكّر بكين الجمهور بأن الصين ليست في صدد هدم النظام، بل إعادة تشكيله. قال وانغ: "الصين هي مبدعة ومستفيدة من النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية". وأضاف: "ليس لدينا نية للبدء من جديد، ولا ندعم أي دولة تفعل ذلك". الرسالة؟ الصين ليست هنا لحرق البيت، ولكنها تريد أن يكون لها كلمة في كيفية ترتيب الأثاث.
وبصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ترى الصين نفسها الركيزة الأساسية للتعددية ولصوت الجنوب العالمي. ودعا وانغ إلى نظام حوكمة عالمي "أكثر عدلاً ومعقولاً"، حيث تمارس الاقتصادات الناشئة المزيد من النفوذ.
الصورة الكبيرة: ما هي خطة الصين النهائية؟
لم يكن خطاب وانغ مجرد إحصائيات اقتصادية أو خطابات دبلوماسية، بل بدا وكأنه إعلان نوايا. الصين لا تنتظر الاعتراف بها كقوة عالمية؛ بل هي تشكل بنشاط النظام العالمي.
الجنوب العالمي؟ الصين تراها كتكتل صاعد يجب أن يتحدى المؤسسات التي تهيمن عليها الدول الغربية. آسيا؟ منطقة حيث تحدد بكين - وليس واشنطن - النغمة للاستقرار والتنمية. والحوكمة العالمية؟ نظام من شأنه أن يعكس تأثير الصين المتزايد.
بالنسبة لبكين، هذا ليس مجرد دبلوماسية - إنه إعادة كتابة دليل اللعبة العالمي. وكما قال وانغ يي: "بغض النظر عن كيفية تغير الوضع الدولي، ستظل الصين دائمًا تضع الجنوب العالمي في اعتبارها". السؤال هو: كيف ستستجيب بقية دول العالم؟

