بقلم لوكاس فيالا
من قانون الرقائق الأميركي (CHIPS Act) إلى سياسات تقليص المخاطر في سلاسل التوريد، واجهت بكين خلال السنوات الخمس الماضية تساؤلاً أساسياً: إلى أي مدى ينبغي لها أن ترد على محاولات الولايات المتحدة لعزل الصين على الساحة العالمية؟
لكن خلال الأشهر الثلاثة الأولى من رئاسة دونالد ترامب، أصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً. فقد ظهرت هذا الأسبوع، في سياق الحرب التجارية، عناوين تفيد بأن الصين حذرت دولاً ثالثة من "إبرام صفقات [مع الولايات المتحدة] على حساب مصالح الصين". فهل الصين مستعدة لأن تتحول إلى طرف مُهدِّد كرد فعل على ما تعتبره تنمّراً أميركياً؟
رغم أن بعض المراقبين يحبذون تصوير الصين كقوة حازمة تسعى لاقتناص الفرص في تصدّع الهيمنة الأميركية، إلا أن هذا يطرح أمام بكين معضلة دبلوماسية. فمعظم الإطار الدبلوماسي الصيني الحالي مبني على تمايز مقاربته عن النهج الأميركي ما بعد الهيمنة، لذا يتعيّن على بكين أن توازن بعناية في ردودها، كي لا تنفّر دول الجنوب العالمي أو تقوّض خطابها القائم على الاستثناء الصيني.
لهذا الغرض، ستعتمد الصين على الإطار الاستراتيجي الذي بنت أسسه منذ عام 2020. يقوم هذا الإطار على أن الصين قادرة ومستعدة لتقديم بديل دبلوماسي للولايات المتحدة، يستند إلى:
- الأمن المشترك بدل التحالفات الصفرية (مبادرة الأمن العالمي GSI)،
- التنمية الاقتصادية بدل الحماية التجارية (مبادرة التنمية العالمية GDI)،
- والقبول بجميع الأنظمة السياسية بدلًا من الليبرالية العالمية (مبادرة الحضارة العالمية GCI).
وتقوم هذه المبادئ على افتراض استثنائي مفاده أن بكين تقدم نموذجاً أفضل للقيادة الدولية مقارنة بواشنطن.
كما حسّنت الصين أدواتها القائمة وابتكرت أدوات جديدة لدعم هذا الطرح وتنفيذه:
- السياسات الاقتصادية: تطورت أدوات القوة الاقتصادية الصينية، لا سيما مع إدخال أول إطار موحّد للرقابة على الصادرات في 2020، ما وسّع قدرة الصين على فرض سيادتها خارج حدودها، عبر التأثير على سلاسل الإمداد والفاعلين الاقتصاديين الدوليين.
- الخطاب العام: انتهى عهد "محاربي الذئاب" المتشددين، الذين اضطر شي جين بينغ إلى الحد من حدة خطابهم. وقد وفرت مبادرات GSI وGDI وGCI نقاط حوار توافقية تتيح للدبلوماسيين الصينيين التعبير عن مواقفهم بقوة ولكن دون مواجهات لفظية فظة كالتي كان يتبناها المتحدث السابق باسم الخارجية تشاو ليجيان.
- تعبئة دول الجنوب العالمي: تكثفت هذه الجهود خلال السنوات الثلاث الماضية، من خلال توسع مجموعة بريكس، وتشكيل تحالفات داعمة للسردية الصينية (والروسية) بشأن غزو روسيا لأوكرانيا. حدث ذلك ضمن إطار انفتاح صيني متجدد بعد جائحة كوفيد، وإحياء أطر دبلوماسية صينية مثل منتدى التعاون الصيني الأفريقي (FOCAC).
بالمجمل، تتيح هذه الأدوات للصين خيارات لتجاوز نفوذ الولايات المتحدة حيثما يهمها ذلك. لكن قدرة بكين على استخدام القوة لحماية مصالحها الاقتصادية لا تمثل سوى جانب من التحدي. ففي ظل مواجهة مع واشنطن "المراجعة" وصين "واثقة"، قد تختار الدول الثالثة استراتيجيات متنوعة لموازنة رهاناتها.
فرغم أن المثل الصيني "قتل الدجاجة لتخويف القرد" (杀鸡儆猴) يحمل دلالات واضحة، إلا أن بكين تواجه سلسلة قرارات دقيقة إذا اختارت اتخاذ دولة ما كمثال لتخويف أخرى من الانصياع للمطالب الأميركية.
لوكاس فيالا هو رئيس مشروع "استشراف الصين" في مركز LSE IDEAS.

