سجل الآن لتصلك النشرة الإخبارية الأسبوعية لمشروع أخبار الصين وأفريقيا مجانًا عبر البريد الإلكتروني

  • هذا الحقل لأغراض التحقق ويجب تركه دون تغيير.

اتبع CAP على وسائل التواصل الاجتماعي

استمع إلى البودكاست الخاص بـ CAP

إفريقيا، الصين، ومقامرة ترامب العالمية على المساعدات الخارجية

وكان برنامج التخفيف من الإيدز خطة الإغاثة الطارئة للإغاثة من بين المبادرات الأميركية التي تأثرت بقرار الرئيس دونالد ترامب بتجميد برامج المساعدات الأمريكية. الصورة من السفارة الأميركية في أوغندا.

قرار إدارة ترامب بوقف ومراجعة المساعدات الخارجية الأميركية للدول النامية حوّل الولايات المتحدة على الفور من أكبر داعم للعديد من الدول إلى أكبر مشكلة تواجهها. وفي هذه العملية، أطلق تجربة واسعة النطاق.

السؤال البحثي في هذه التجربة يشبه: "ما الذي يشكل النفوذ الدولي للولايات المتحدة؟" بعبارة أخرى، هل يعتمد نفوذ الولايات المتحدة، لا سيما في العالم النامي، على القوة الصلبة مثل العقوبات والتعريفات الجمركية والقوة العسكرية؟ وإلى أي مدى يعتمد قبول العالم لهذا الدور القيادي على دعم الولايات المتحدة لقطاعات الصحة والتعليم والتنمية؟

ستكون تكلفة إجراء هذه التجربة هائلة. ففي بلدي (جنوب إفريقيا) وحده، ينهار الآن نظامٌ كاملٌ يوفر الرعاية لمرضى فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز). هذه أموال أميركية، والولايات المتحدة حرة في التصرف بها كما تشاء. لكن السحب العشوائي لبرامج طبية وغيرها دون إتاحة الفرصة للدول للتكيف مع هذا التغيير يسبب بالفعل حالة من الفوضى.

تميل الولايات المتحدة إلى فهم مساعداتها الخارجية على أنها شيء تمنحه بينما تتلقاه الدول الأخرى. سواء تم تقديم هذه المساعدات بدافع الإيثار أو بدافع استراتيجي، وسواء تم اعتبار الدول المستفيدة ممتنة بما يكفي أم لا، فإن هذا لا يغير من طبيعة العلاقة التي تُفهم على أنها أحادية الاتجاه.

لكن بالطبع، الولايات المتحدة تستفيد أيضاً من مساعداتها الخارجية. فمن الناحية العملية، يتم دفع الجزء الأكبر من المساعدات الأميركية إلى كيانات أميركية، لذا فإن تعليق هذه العقود له تأثيرات داخل الولايات المتحدة نفسها.

كما أن المساعدات تشتري اهتمام الحكومات الفردية والمنظمات متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة، التي تضطر إلى أخذ وجهات النظر الأميركية في الاعتبار بشأن قضايا عديدة لأن واشنطن تتحكم في التمويل. لقد أصبح هذا الأمر مألوفًا لدرجة أنه بات من الصعب تخيل واقع مختلف.

تجري إدارة ترامب تجربة لمعرفة كيف سيكون شكل العالم بدون هذا المنطق. على المدى القصير، ستكون النتيجة بلا شك أسوأ: من المحتمل أن تزداد الأمراض والاضطرابات وتراجع الديمقراطية في العديد من الأماكن. أما على المدى البعيد، فإنها تثير تساؤلاً مثيراً للاهتمام: كيف ستتمكن الولايات المتحدة من الحفاظ على اهتمام العالم؟

تمتلك الولايات المتحدة قوة عسكرية هائلة، لكن هناك حدًا لعدد الحروب التي يمكن خوضها في آنٍ واحد. كما أن لديها نفوذًا اقتصاديًا واسعًا بفضل الدولار وسوقها الضخم، لكن ترامب يختبر بالفعل تأثير الاضطرابات الاقتصادية الداخلية من خلال فرض تعريفات جمركية على الشركاء التجاريين الرئيسيين للولايات المتحدة. وكلما زادت التعريفات، قل تأثير أي واحدة منها في ظل دوامة التضخم المتزايدة. إضافةً إلى ذلك، لا تتاجر العديد من دول الجنوب العالمي مع الولايات المتحدة بما يكفي لجعل هذا النفوذ فعالًا من الأساس.

أما من حيث النفوذ الثقافي، فالمشهد مثير أيضًا. لا تزال هوليوود وصناعة الألعاب والموسيقى قوية، لكنها لم تعد ذلك التأثير الأحادي كما كانت من قبل. صحيح أن الكثير من الأفارقة يعشقون بيونسيه، لكن القارة لا تعتمد عليها في صناعة الجمال والأناقة – فلديهم نجمات صاعدات خاصات بهم. كما أن الثقافة الشعبية هي عالم الشباب، وإفريقيا تشهد موجة شبابية هائلة قوامها مئات الملايين، وهي، حتى في أحلك لحظاتها، قوة عظمى في الموسيقى الشعبية. ومع تضييق ترامب لطرق الهجرة، ستصبح الولايات المتحدة قريبًا بلدًا يعجّ بكبار السن.

ورغم أن منصات البث الأميركية وشركات التكنولوجيا لا تزال ذات تأثير هائل، فإنها لا تروي بالضرورة القصص الأميركية. فمثلًا، أشهر أعمال نتفليكس في إفريقيا ليست أميركية، بل أعمال دولية مثل المسلسل الكوري الجنوبي لعبة الحبار إلى جانب إنتاجات أفريقية متزايدة.

كل هذه الحقائق تعني أن إلغاء المساعدات الخارجية سيتزامن مع إنهاء سياسات التنوع والمساواة والشمول داخل الولايات المتحدة، مما سيغير من طريقة فهم بقية العالم للقصة الأميركية.

وهذا، بالطبع، جزء من الهدف وراء مبادرات محافظة مثل مشروع 2025. فالكثير من سياسات ترامب تتماشى مع مشروع أوسع لإعادة تعريف معنى "أميركا"، ويعتبر العديد من المحافظين أن ذلك استعادة لـ"جوهر الأمة".

لكن من منظور الجنوب العالمي، أراهن أن القصة ستتحول بسرعة إلى: "لم تكن الولايات المتحدة جادة بشأن الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو الشمول على أي حال. كانت مجرد شعارات فارغة. فهمنا الدرس." بل إن الاستنتاج الأكثر شيوعًا سيكون: "أي شخص يثق بالولايات المتحدة هو أحمق." وبمجرد أن تترسخ هذه الروايات، سيكون من الصعب محوها.

وسيترتب على ذلك أمران:
أولًا، ستبحث الدول المتضررة عن شركاء بديلين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. قد يكون ذلك في أوروبا، لكن الاحتمال الأكبر هو التوجه نحو الصين وروسيا وتركيا وغيرهم. وستكون الصين المستفيد الأكبر بفضل مزيجها الفريد من القدرة المالية الهائلة، والكفاءة التقنية، والاستقرار السياسي.

ثانيًا، سيمضي العالم قدمًا ببساطة. قد يكون التحرك متعثرًا بدلًا من أن يكون بخطى ثابتة، وقد يموت الكثيرون على طول الطريق، لكنه تحرك، وتحرك بعيدًا عن الولايات المتحدة. وكما قال الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا: "هذا جرس إنذار يدعونا للتساؤل: ماذا سنفعل لمساعدة أنفسنا؟"

ستجد كل دولة إجابة خاصة بها على هذا السؤال، ولن تعجب الولايات المتحدة جميع هذه الإجابات. فإحدى غايات المساعدات الأميركية كانت وضع معايير تسهل على الكيانات والمواطنين الأميركيين ممارسة الأعمال التجارية بأمان وسلاسة. لكن مع تراجع النفوذ الأميركي، قد نشهد حدودًا أكثر هشاشة، وانتهاكات متزايدة لحقوق الملكية الفكرية، وازدهارًا للقرصنة، وظهور أمراض جديدة وتحوّرًا لأمراض قديمة.

لا توجد جيش في العالم قادر على احتواء كل هذه التحديات. كانت المساعدات الخارجية وسيلة رخيصة نسبيًا (أقل من 1% من الميزانية الفيدرالية) للحفاظ على الأمور وفقًا للمصالح الأميركية، والأنظمة التي أنشأتها في إفريقيا كانت رائدة عالميًا. أما الآن، فكل شيء من التجارة إلى البنية التحتية إلى الطاقة النظيفة إلى الأفكار حول مستقبل الحياة يتجه شرقًا نحو الصين والإمارات وغيرها.

وهكذا، فإن أحد أهم أدوات النفوذ الأميركي في الجنوب العالمي بات في حالة فوضى. وحتى لو أُعيدت المساعدات بالكامل غدًا، فإن العلاقة بين الولايات المتحدة وإفريقيا ستظل مكسورة. ومع دوامة تعريفات ترامب الجمركية، نحن أمام تجربة غير مسبوقة في تاريخ القوة الناعمة العالمية.

في البداية، لن يكترث أحد في واشنطن. وفي البداية، سيكترث الجميع في الجنوب العالمي.

ثم سيتوقفون عن الاكتراث.

وهنا ستصبح التجربة مثيرةً حقًا.